ابن حزم

542

الاحكام

وحدانية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الحق الذي لا يسع أحدا القصد إلى خلافه . قال أبو محمد : ثم هذا أبو حنيفة يقول : ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعينين ، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعا وطاعة ، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ، تخيرنا من أقوالهم ولم نخرج عنهم ، وما جاء عن التابعين ، فهم رجال ونحن رجال ، فلم ينكر عن نفسه مخالفة التابعين ، وإنما لم ير الخروج عن أقوال الصحابة توقيرا لهم . وهذا مالك : يفتي بالشفعة في الثمار ويقول - إثر فتياه به - وإنه لشئ ما سمعته ولا بلغني أن أحد قاله : فهذا مالك لم ير القول بما لم يسمع عن أحد قال به خلافا للاجماع ، كما يدعي هؤلاء الذين لا معنى لهم ، وهذا الشافعي يقول في رسالته المصرية ، ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا . قال حمام بن أحمد ، ويحيى بن عبد الرحمن بن مسعود قال حمام : نا عباس بن أصبغ ، وقال يحيى : نا أحمد بن سعيد بن حزم ، ثم اتفق عباس وأحمد قالا جميعا ، نا محمد بن عبد الملك بن أيمن ، نا عبد الرحمن بن حنبل ، قال : سمعت أبي يقول : ما يدعي فيه الرجل الاجماع هو الكذب ، من ادعى الاجماع فهو كذاب لعل الناس قد اختلفوا ما بد به ؟ ولم ينتبه إليه فليقل : لا نعلم الناس اختلفوا ، دعوى بشر المريسي والأصم ، ولكن يقول : لا نعلم الناس اختلفوا ، أو لم يبلغني ذلك . قال أبو محمد : صدق أحمد ولله دره ، وبئس القدوة بشر بن عتاب المريسي ، وعبد الرحمن بن كيسان الأصم ، ولعمري إنهما لمن أول من هجم على هذه الدعوى ، وهما المرءان يرغب قولهما ، نا يوسف بن عبد الله النمري ، نا عبيد الله بن محمد ، نا الحسن بن سلمون ، نا عبد الله بن علي بن الجارود ، نا إسحاق بن منصور ، قال : سمعت إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه وقد ذكر له قول أحمد بن حنبل في مسألة فقال إسحاق : أجاد ، لقد ظننت أن أحدا لا يتابعني عليها ، فهذا إسحاق لا ينكر القول بما يقع في تقديره أنه لا يتابعه أحد عليه ، إذا رأى الحق فيما قاله به من ذلك . قال أبو إسحاق : فهؤلاء الصحابة والتابعون ، ثم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود ، كلهم يوجب القول بما أداه إليه اجتهاده أنه الحق ، وألا يعلم قائلا به قبله ، فبمن تعلق هؤلاء القوم ؟ ليت شعري بل بالمريسي والأصم ، كما قال أحمد رحمه الله .